الشيخ محمد هادي معرفة

386

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الوجود كان أمرا اختياريا ولكنّه بعدالوجود خرج عن الاختيار وأصبح ضرورةً غير اختيارية . قال : ومرجع ذلك إلى نفي إطلاق قدرته تعالى ، فلاتعمّ الكائن الحادث بعد حدوثه . وإنّما القدرة خاصّة بحال الحدوث ولا تشمل حالة البقاء . وهو كما قالت اليهود : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » . قال : وقد ألمح سبحانه وتعالى إلى الردّ على الوجه الأوّل بقوله : « أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . فلا موضع لتوهّم فوات المصلحة القديمة بعد إمكان التعويض عنها بمصلحةٍ مثلها أو خيرٍ منها . وعن الوجه الثاني بقوله : « أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . » أي له التصرّف في ملكه حيثما يشاء ، وهو دالّ على عموم القدرة ، في بدء الحدوث وعبر البقاء جميعا . « 1 » وعليه أيضا نزلت الآية : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . « 2 » أي يمكنه تعالى أن يزيل شيئا عمّا قدّر فيه ويبدّله إلى غيره ، حسب علمه تعالى في الأزل بالمصالح والمفاسد المقتضية في أوقاتها وظروفها الخاصّة . فهو تعالى كلّ يوم في شأن . « 3 » ومثلها قوله تعالى : « وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . « 4 » وذلك أنّهم لفرط جهلهم أنكروا إمكان التبديل في الخلق والتدبير - سواء في التشريع والتكوين - حسبوا من التغييرات الحاصلة في طول التشريع أنّها افتراءٌ على اللّه . الأمر الذي يدلّ على غباوتهم وجهلهم بمقام حكمته تعالى الماضية في الخلق والتدبير على طول خطّ الوجود . وهذا المعنى هو المستفاد من عقيدتهم بأنّه تعالى بعد ما فرغ من خلق السماوات والأرض خلال الستة الأيّام استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت . جاء في سفر التكوين : « فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها ، وفرغ اللّه في اليوم السابع من عمله

--> ( 1 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 253 - 254 . ( 2 ) - الرعد 39 : 13 . ( 3 ) - الرحمان 29 : 55 . ( 4 ) - النحل 101 : 16 .